الخليل الفراهيدي

28

المنظومة النحوية

والفقر في النفس لا في المال نعرفه * ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه * ولا يزيدك فيه حول « 1 » محتال هذه نفس أبية زاهدة لا تطمع إلا فيما يسدّ الرمق من الحياة لا تجرى وراء الكثير الفاني . فالخليل يفعل ذلك لا يخاف أن يقطع سليمان راتبا كان له عنده . ولنكمل القصة مع صاحب كتاب إتحاف الأعيان « 2 » حين يقول : « وكان سليمان رتب له راتبا فقطعه عنه فقال : إن الذي شق فمي ضامن * للرزق حتى يتوفاني حرمتنى مالا قليلا فما * زادك في مالك حرماني فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته فكتب إلى الخليل يعتذر وأضعف جائزته فقال الخليل : وزلة يكثر الشيطان إن ذكرت * منها التعجب جاءت من سليمانا لا تعجبن لخير زلّ عن يده * فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا فرجل مثل الخليل له راتب ، وتضاعفت جائزته أو راتبه لدى سليمان لا يمكن أن يكون بهذه الصورة العجيبة من التقشف وتشقق القدمين وشحوب الوجه وتمزق الثياب إلى حدّ تلك الصورة المريبة . وكل ما حدث أنه رجل صاحب كبرياء وكرامة أراد أن يحافظ عليها ، والصورة - كما قال أحد الباحثين - « 3 » : « أن زهده وعفة نفسه وعزته واباءّه كل أولئك : حال بينه وبين الشهرة ، وقعد بصيته أن يطير حينذاك وبفضله أن ينشر ويذيع ، لأنه آثر أن يغلق عليه بابه فما تجاوزه همه عن أن يقف على باب أمير أو وال يستندي الأكف ويبذل من شممه وعزة نفسه ما يملأ جيبه بالنضار ، ويريق من ماء وجهه ما يرفع منزلته عند الناس ويخفضها عند اللّه ويصلح من دنياه بقدر ما يفسد من دينه » هكذا صوّر المؤرخون الخليل وإن كنا نرى في أشعاره ما

--> ( 1 ) حول : احتيال محتال . ( 2 ) إتحاف الأعيان 1 / 55 . ( 3 ) عبد الحفيظ أبو السعود في كتابه : « الخليل بن أحمد » ص 40 . 41 .